محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
454
بدائع السلك في طبائع الملك
من غرس الحلم شجرا ، أو سقاه الاناءة دررا ، اجتنى العز منه ثمرا ، وأثبت في المكارم أثرا أحلم الناس من قدر على الكلام ، وهو كثير صمته ، وقدر على العقوبة ، وهو كثير عفوه ، وقدر على الحركة ، وهو كثير وقاره . المسألة السابعة : الحكايات عن الحكماء متعددة ويكفي مما استدعاه بليغ الاعتذار وحسن الاعتطاف ، حكايتان : الحكاية الأولى : يروى أن المأمون عتب يوما على عمه إبراهيم بن المهدي ، فقال له : يا أمير المؤمنين : ولى الثأر محكم في القصاص ، « وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » « 130 » . ومن تناوله الاغترار ، مع مأموله من أسباب الرجاء ، امن من عادية الدهر . وقد جعلك الله فوق كل ذي لب « 131 » ، كما جعل كل ذي لب دونك . فان تأخذ فبحقك ، وان تعف فبفضلك . وأنشأ يقول : ذنبي إليك عظيم * وأنت أعظم منه فخذ بحقك أو لا * وأصفح بفضلك عنه ان لم أكن بفعالى * من الكرام فكنه وأطال مجلسه بكل اعتذار حسن ، وكلام بليغ . فقال المأمون : القدرة تذهب الحفيظة ، والندم توبة يا إبراهيم . لقد حببت إلى العفو حتى خفت أن لا أوجر عليه ، لا تثريب عليك ، يغفر الله لك . وجدد احسانه اليه « 132 » . الحكاية الثانية : قيل : بعث زياد إلى معاوية رجلا من بني تميم ، فلما مثل بين يديه ، قال له : أنت القائم علينا . المكثر لعدونا . قال : يا أمير المؤمنين ، انما كانت فتنة عم عماها ، واظلم دجاها ، نزا « 133 » فيها الوضيع ، وخف الحليم والرفيع ، فاحتدمت « 134 » ، وأكلت وشربت ،
--> ( 130 ) سورة البقرة 2 : 273 . ( 131 ) في الشهب : ذي عفو . ( 132 ) أخذها بنصها من الشهب ص 48 - 49 . ومصدر الاثنين مروج الذهب ج 4 ص 325 - 326 . ( 133 ) أ . ب : سرى . ( 134 ) ب : اختمرت .